سيد محمد طنطاوي

21

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وكان قوم نوح يعبدون الأصنام ، فأرسل اللَّه - تعالى - إليهم نبيهم نوحا ، ليدلهم على طريق الحق والرشاد . والمعنى : ولقد أرسلنا نبينا نوحا - عليه السلام - إلى قومه ، لكي يأمرهم بإخلاص العبادة لنا ، وينهاهم عن عبادة غيرنا * ( فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً ) * يدعوهم إلى الدين الحق ، ليلا ونهارا ، وسرا وعلانية . قالوا : بعث اللَّه نوحا وهو في سن الأربعين من عمره ، ولبث يدعو قومه إلى عبادة اللَّه - تعالى - وحده ، ألف سنة إلا خمسين عاما ، وعاش بعد الطوفان ستين سنة ، فيكون عمره كله ألف سنة وخمسين سنة . قال صاحب الكشاف : فإن قلت : فلم جاء المميز أولا بالسنة ، وثانيا بالعام ؟ قلت : لأن تكرير اللفظ الواحد ، حقيق بالاجتناب في البلاغة ، إلا إذا وقع ذلك لأجل غرض يبتغيه المتكلم من تفخيم أو تهويل أو تنويه أو نحو ذلك » « 1 » . والمقصود بذكر هذه المدة الطويلة التي قضاها نوح - عليه السلام - مع قومه ، تسلية الرسول صلى اللَّه عليه وسلم وتثبيته ، فكأن اللَّه - تعالى - يقول له : يا محمد لقد لبث أخوك نوح تلك المدة الطويلة ، ومع ذلك لم يؤمن معه إلا قليل ، فعليك أن تقتدى به في صبره ، وفي مطاولته لقومه . وقوله - سبحانه - * ( فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ وهُمْ ظالِمُونَ ) * بيان لسوء عاقبة المكذبين لنوح - عليه السلام - بعد أن مكث فيهم تلك المدة الطويلة . والطوفان : قد يطلق على كل ما يطوف بالشيء على كثرة وشدة من السيل والريح والظلام ، وقد غلب إطلاقه على طوفان الماء ، وهو المراد هنا . أي مكث نوح في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم إلى إخلاص العبادة للَّه - تعالى - ولكنهم كذبوه ، فأخذهم الطوفان ، والحال أنهم كانوا مستمرين على الظلم والكفر ، دون أن تؤثر فيهم مواعظ نبيهم ونذره . ثم بين - سبحانه - حسن عاقبة نوح ومن آمن معه فقال : * ( فَأَنْجَيْناه وأَصْحابَ السَّفِينَةِ ) * : أي : فأنجينا نوحا ومن آمن معه ، وهم الذين ركبوا معه في السفينة . قيل : كان عدد هؤلاء الذين آمنوا به ثمانين ما بين ذكر وأنثى ، وقيل كانوا أقل من ذلك .

--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 3 ص 446 .